محمد بن جرير الطبري

374

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

خُبْراً » ، اى انما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما اعلم « قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً » وان رايت ما يخالفني . قال : « فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً » ، اى فلا تسألني عن شيء وان أنكرته حتى احدث لك منه ذكرا ، اى خبرا . فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس ، يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديده وثيقة ، لم يمر بهما شيء من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها ، فسألا أهلها ان يحملوهما ، فحملوهما ، فلما اطمأنا فيها ، ولججت بهما مع أهلها ، اخرج منقارا له ومطرقه ، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ، ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ، ثم جلس عليها يرقعها ، قال له موسى : فأي امر أفظع من هذا ! « أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً » ! حملونا وآوونا إلى سفينتهم ، وليس في البحر سفينة مثلها ، فلم خرقتها ! قال : « أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ » ، اى بما تركت من عهدك « وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً » ثم خرجا من السفينة ، فانطلقا حتى أتيا أهل قريه ، فإذا غلمان يلعبون ، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام اظرف ولا اترف ولا أوضأ منه ، فاخذ بيده ، وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله قال : فرأى موسى امرا فظيعا لا صبر عليه ، صبي صغير قتله بغير جناية ولا ذنب له ! فقال : « أَ قَتَلْتَ نَفْساً زاكية بِغَيْرِ نَفْسٍ » ، اى صغيره بغير نفس ، « لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً . قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً » ، اى قد أعذرت في شأني « فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ » ، فهدمه ثم قعد يبنيه ،